محمد متولي الشعراوي
2846
تفسير الشعراوى
أما أن يقول الحق : إنه « تكلم » مع موسى ، فهذا نقل من الخفاء إلى العلن ، أو يرسل الحق رسولا بالكلام الموحى به . وحين قال سبحانه : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » إنما ينبهنا إلى أن الوحي لموسى ليس من الكلام الذي قسمه الحق في قوله : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » ؛ لأن اللّه قال في كلامه لموسى : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » . ووقف العلماء هنا وقفة عقلية وقالوا : كيف يتكلم اللّه إذن ؟ . ونقول : إن كل وصف للّه ويوجد مثله لخلقه إنما نأخذه بالنسبة للّه في إطار : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) فإن قلت : إن للّه وجودا وللإنسان وجودا ، فوجود الإنسان ليس كوجود اللّه ، وإن قلنا : إن للّه علما ، وللإنسان علما ، فعلم الإنسان ليس كعلم اللّه ، وإن قلنا : إن للّه قدرة ، وللإنسان قدرة ، فقدرة الإنسان ليست كقدرة اللّه ، وإن قلنا : إن للّه استواء على العرش وللإنسان استواء على الكرسي ، فاستواء اللّه ليس كاستواء الإنسان . إذن فلا بد أن تؤخذ كل صفة من صفات اللّه التي يوجد مثلها في البشر في إطار قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( من الآية 11 سورة الشورى ) وبذلك ينتهى الخلاف كله في كل ما يتعلق بصفات الحق . فالحق له يدان وله وجه ، ولكن لا يمكن للإنسان أن يصور يد اللّه كيد البشر ، بل نأخذها في إطار « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » وكذلك وجه اللّه . وما دمنا نأخذ صفات اللّه في إطار « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فلا داعى للمعركة الطاحنة بين العلماء في الصفات وفي تأويل الصفات ، ولا داعى أن ينقسم العلماء إلى عالم يؤوّل الصفات وعالم لا يؤول ؛ لا داعى أن يقول عالم : إن يد اللّه هي قدرته فيؤول ، وعالم آخر لا يؤول ويقول : لا . إن للّه يدا ويسكت . ونقول للعالم الذي لا يؤول : قل : إن للّه يدا وهي تناسب قوله : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » . وإذا كنا نحن قد عرفنا في عالمنا أن الأشياء تختلف مواجيدها في الناس باختلاف الناس ، فلا بد من أن نعرف أن اللّه لا مثيل له . وعلى سبيل المثال : يتلقى الإنسان دعوة لمائدة عمدة قرية ما ، فيقدم له ألوان